«حين ضاقت الأرض».. أصبح البحر ملاذاً أخيراً لآلاف النازحين

«حين ضاقت الأرض».. أصبح البحر ملاذاً أخيراً لآلاف النازحين
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
لم يعد البحر في قطاع غزة مكاناً للسباحة أو الترفيه كما كان في سنوات مضت، بل تحول إلى الملاذ الأخير لآلاف العائلات التي دفعتها أوامر الإخلاء المتكررة والقصف المتواصل إلى نصب خيامها على امتداد الشريط الساحلي، بحثاً عن بقعة أكثر أمناً أو نسمة هواء تخفف من قسوة الصيف. فعلى الرمال التي كانت تضج يوماً بأصوات المصطافين، تمتد اليوم صفوف الخيام المتلاصقة، بينما يحاول الأطفال سرقة لحظات من اللعب على حافة البحر، في وقت يكافح فيه ذووهم لتأمين أبسط مقومات الحياة، وسط نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، وشح الغذاء، وغياب شبه كامل للخدمات الأساسية.

الملاذ الأخير
تحت مظلةٍ مهترئة نُسجت من قطع قماش بالية، يجلس الحاج أبو أشرف سالم (55 عاماً)، يتابع بعينين مثقلتين أبناءه وهم يركضون حفاة على رمال الشاطئ، وتارة يراقب أمواج البحر التي لم تعد تحمل لهم متعة الماضي، بل أصبحت شاهدة على رحلة نزوح طويلة.
بين حين وآخر، يرفع بصره نحو الأفق، وكأنه يستعيد في ذاكرته بيتاً تركه قسراً في شرق حي الشجاعية، قبل أن يهدمه الاحتلال ويفرض سيطرته على المنطقة ضمن ما يُعرف بـ»الخط الأصفر».
ومنذ ذلك الحين، لم يعد البحر متنفساً للعائلة، بل تحول إلى عنوان لإقامتها المؤقتة التي امتدت لأكثر من عامين، شأنها شأن آلاف الغزيين الذين ضاقت بهم الأرض فلم يجدوا سوى الشاطئ ملاذاً أخيراً.
بصوتٍ متعب، يقول سالم: «ولا في أحلامنا كنا نتخيل إن البحر يصير بيتنا، كنا نجي عليه رحلة، نفرح ونقضي وقتنا مع أهلنا و أصحابنا، أما اليوم فصرنا ننام ونصحى على رمله، ونستيقظ كل يوم على أمل أن ينتهي هذا النزوح ونرجع إلى بيوتنا، حتى لو كانت مدمرة».
ويتابع وهو يشير إلى خيمته: «وقت الظهر الخيمة بتصير كالفرن، ولا نستطيع البقاء بداخلها من شدة الحر، فبنقضي معظم يومنا على البحر، مش لأنه مكان للراحة، لكن لأنه المكان الوحيد اللي فيه نسمة هوا بنقدر نتنفس فيه».
وأضاف: «إحنا ما بنبحث عن رفاهية، ولا عن نزهة، كل اللي بدنا إياه مكان يخفف عنا حر الخيام، ويخلينا نحس، ولو للحظات، إننا لسه قادرين نعيش».
معاناة متجددة
وعلى بعد أمتار، تجلس المواطنة أم ياسر البدرساوي (35 عاماً) فوق قطعة حصير مهترئة، تراقب طفليها وهما يغرسان أيديهما الصغيرة في الرمال المبتلة، يحاولان بناء بيت صغير من الرمل، لكن الأمواج سرعان ما تهدمه.
تبتسم للحظة وهي تتابعهما، قبل أن تستعيد واقعها، فمنذ أن دمر الاحتلال منزلها في حي الزيتون، بات شاطئ البحر المكان الوحيد الذي تقضي فيه معظم ساعات نهارها هرباً من لهيب خيمة النزوح.
وتقول البدرساوي لـ» الاستقلال»: «كل يوم الصبح بكون مستعجلة عشان أخلص شغل البيت .. الغسيل والجلي والعجين، وأول ما أخلص بأخذ اولادي وبنطلع على البحر، لانه الخيمة ما بتنطاق».
وبينما تراقب طفليها على الرمال، تتابع:» الاولاد من وقت ما يصحوا من النوم بضلهم يسألوني: أمتي بدنا نروح على البحر؟ مش عشان يلعبوا، لكن لأنهم عارفين انه الخيمة ما فيها نفس، والبحر أهون من حرها».
وتوضح البدرساوي أن الأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تأثراً بارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام، خاصة في ظل نقص المياه وغياب وسائل التهوية، مشيرة إلى أن كثيراً من الأطفال يعانون من الطفح الجلدي ولسعات البعوض والحشرات
وتؤكد أن معظم العائلات النازحة القريبة من شاطئ البحر تقضي ساعات طويلة على الرمال، هرباً من حرارة الخيام الخانقة، قبل أن تعود مع حلول المساء إلى خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.
ومع اقتراب غروب الشمس، تبدأ البدرساوي بجمع ما أحضرته معها، وتنادي طفليها استعدادا للعودة إلى الخيمة.. ينتهي نهاراً منحهما شيئاً من الحياة، لتبدأ مع حلول الليل معاناة أخرى. ةوتنهي حديثها قائلة:» مع الغروب بنرجع غصب عنا على الخيمة، ونرجع نعاني من الحر والبعوض والحشرات، ونرجع لضيق والعتمة.. وبنستني الصبح عشان نرجع على البحر من جديد»
حُلم بعيد المنال
ورغم أن آلاف العائلات النازحة وجدت في البحر متنفساً يخفف عنها شيئاً من قسوة الحياة داخل الخيام، فإن عائلات أخرى لا تزال تنظر إليه من بعيد، عاجزة عن الوصول إليه بسبب شح وسائل المواصلات وارتفاع تكلفتها.
فالمواطن أبو حسن عزارة، المقيم في أحد مراكز النزوح بمخيم البريج وسط قطاع غزة، يقول إن أطفاله لا يتوقفون عن مطالبته باصطحابهم إلى البحر، بعدما أصبح المكان الوحيد الذي يمكن أن يمنحهم ساعات قليلة بعيداً عن خيام النزوح.
ويقول غزارة خلال حديثه لـ» الاستقلال» : «كل يوم الأولاد بترجوني: يا بابا خدنا على البحر، بدهم يغيروا جو، ويشوفوا مكان غير المخيم، لكن للأسف حتى هاي الأمنية البسيطة صارت مكلفة للغاية».
ويضيف: «لما قررت أحقق أمنيتهم، تفاجأت بأسعار المواصلات، التكتك من البريج إلى البحر يكلف حوالي 200 شيكل ذهاباً وإياباً، وإذا بدنا نروح بسيارة بنحتاج قرابة 300 شيكل، ولسه ما حسبنا إيجار المظلة أو أي شيء بسيط للأطفال». ةويشير إلى أن هذه التكاليف تفوق قدرة معظم العائلات النازحة، مؤكداً أن آلاف الأسر التي تعيش في المناطق البعيدة عن شاطئ البحر حُرمت من الوصول إلى المتنفس الوحيد المتبقي في قطاع غزة، لأن مجرد الوصول إليه أصبح عبئاً مالياً لا تستطيع تحمله.

التعليقات : 0

إضافة تعليق